ابن حبان

15

صحيح ابن حبان ( تحقيق الأرنؤوط )

فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي ، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي ، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابِ ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي ، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي ، وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي بِكَلِمَةٍ ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حتى ( 1 ) أناخ راحلته ، فوطىء عَلَى يَدِهَا ، فَرَكِبْتُهُ ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا ( 2 ) مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ، فَهَلَكَ فِي شَأْنِي مَنْ هَلَكَ ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ . فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُهَا شَهْرًا ، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يُرِيبُنِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِأَنِّي لَا أَرَى مِنْهُ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَاهُ مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي ، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : " كَيْفَ تِيكُمْ ؟ " فَيُرِيبُنِي ذَلِكَ ، ولا أشعر حتى خرجت بعد ما نَقَهْتُ ( 3 ) مِنْ مَرَضِي ، وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قَبْلَ المناصع ( 4 ) وهي

--> ( 1 ) في الأصل : ( حين ) ، والمثبت من ( التقاسيم ) و ( المصنف ) . ( 2 ) قوله : ( بعدما نزلوا ) لم يرد في الأصل ، واستدرك من ( التقاسيم ) 5 / لوحة 153 ، و ( المصنف ) . وقوله : ( موغرين ) أي : نازلين في وقت الوَغْرَةِ ، وهي شِدَّةُ الحر ، وذلك عندما تكون الشمس في كبد السماء ، ومنه أخذ وغرُ الصدر ، وهو توقده من الغيظ بالحقد . ( 3 ) بفتح القاف وكسرها لغتان حكاهما الجوهري في ( الصحاح ) وغيره ، والفتح أشهر ، أي : أفاقت من مرضها ، وبرئت منه ، وهي قريبُ عهد به ، لم ترجع إليها تمامُ صحتها . ( 4 ) في ( النهاية ) 5 / 65 : هي المواضع التي يُتَخَلَّى فيها لقضاء الحاجة ، واحدها : مَنْصَع ، لأنه يُبْرَز إليها ويُظهر ، قال الأزهري : أراها مواضع مخصوصة خارجَ المدينة .